المقريزي
316
إمتاع الأسماع
فصل في ذكر هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خرج البخاري في آخر كتاب الكفالة ، في باب جوار أبي بكر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي كتاب الهجرة ، من حديث الليث عن عقيل ، قال [ ابن ] شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة [ رضي الله عنها ] ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ، بكرة وعشية . فلما ابتلى المسلمون ، خرج أبو بكر [ رضي الله عنه ] مهاجرا نحو أرض الحبشة ، حتى إذا بلغ برك الغماد ، لقيه ابن الدغنة - وهو سيد القارة - [ فقال ] : أين تريد يا أبا بكر ؟ [ فقال ] أبو بكر : أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي ، فقال ابن المدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، أنت تكسب المعدوم ، وتصل الرحم وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، ارجع واعبد ربك ببلدك ، فرجع ، وارتحل معه ابن الدغنة [ فطاف ابن الدغنة ] ( 1 ) عشية في أشراف قريش ، فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ، فلم تكذب [ قريش ] ( 1 ) بجوار ابن الدغنة . وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، فليصل فيها ، وليقرأ [ ما شاء ] ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا ، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فلبث أبو بكر [ رضي الله عنه ] ، يعبد ربه في داره ، ولا يستعلن بصلاته ، ولا يقرأ في غير داره .
--> ( 1 ) زيادة للسياق من ( البخاري ) .